تحدّي المتشكك: استحالة مادية؟
يتساءل بعض القراء كيف استطاع موسى أن يضرب البحر بعصاه فينفلق. تشير القراءة الحرفية إلى ضربة مادية تُوجَّه إلى الماء. وتضع تلك القراءة الحدث في إطار الفيزياء الطبيعية، وتتساءل كيف يمكن لفعل كهذا أن يُنتج الانقسام الموصوف. ويفترض السؤال أن السرد يجب أن يتوافق مع القوانين التي نراها اليوم. فهو يتعامل مع النص كتقرير عن تفاعل مادي، ثم يبحث عن استحالة تقوّض الادعاء. غير أن مثل هذه القراءة قد لا تعكس لغة القرآن نفسه.
يفرض هذا النهج توقعًا ضيقًا. فإذا كان فعل «الضرب» يعني فقط تأثيرًا ماديًا، فإنه يفتح أسئلة حول القوة والوسيط والأثر. ويفترض ذلك الإطار سببية طبيعية خالصة. ومن الشائع في التحقيق التشكيكي أن يُؤخذ عنصر واحد بمعناه الأكثر حرفية ثم يُبيَّن تعارضه المفترض مع الفيزياء. وغالبًا ما يكون الهدف إيجاد تناقض داخلي يمكن أن يشكك في أصل النص.
لكن النقد يقوم على افتراض أساسي: أن العربية القرآنية يُقصد قراءتها بحرفية صارمة كما يُقرأ كتاب فيزياء حديث. وهذا الافتراض يستحق الفحص. فالنصوص القديمة كثيرًا ما تستخدم لغة ذات مدى دلالي أوسع وهدف تواصلي مختلف. ويصبح السؤال: هل يحصر اللفظ العربي «ضرب» المعنى في ضربة مادية، أم يحمل دلالة تتوافق مع الأمر الإلهي؟
التحقيق في العربية: المدى المعجمي للجذر «ض-ر-ب»
لمعالجة التحدي، نعود إلى المصدر الأساسي: النص العربي. في سورة الشعراء (26: 63) نقرأ: فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. والترجمة الحرفية: فأوحينا إلى موسى: «اضرب البحر بعصاك»، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم.
الفعل الأساسي هو اضْرِب، من الجذر ض-ر-ب. وتُظهر المعاجم الكلاسيكية، مثل لسان العرب وتاج العروس، أن لهذا الجذر حقلًا دلاليًا واسعًا. فقد يعني الضرب، لكنه يعني أيضًا الإرسال، والسفر، والتغطية، والختم، أو الإحداث. ويتحدد المعنى الدقيق بحسب حرف الجر والمفعول والسياق. وافتراض أن اضْرِب هنا تعني فقط ضربة مادية قوية يضيّق المعنى دون دليل.
ومع البحر كمفعول، يمكن للجذر أن يوحي بإحداث انفصال أو فتح طريق. وقد يعمل الفعل كأمر للعمل بطاعة، لا بالضرورة لتوجيه ضربة. وهذا المدى المعجمي مهم. فهو يسمح لنا بفهم الآية لا كوصف عنف ضد الماء، بل كأمر نفّذه موسى، وكانت المعجزة نفسها من عند الله.
كما أن اللفظ العربي لا يقتضي قراءة طبيعية. فمعنيا «الإرسال» أو «الإحداث» يوفران إطارًا يكون فيه فعل موسى طاعة، بينما يكون انفلاق البحر فعلًا مباشرًا من الله. ويساعد هذا التمييز في تفسير كيفية تقديم القرآن للمعجزات: أحداث تُحدثها القدرة الإلهية، يُطلقها فعل بشري مأمور به إلهيًا يدل على بداية مشيئة الله.
السياق والأمر الإلهي
نضع الآن الآية في سياقها المباشر. تبدأ الآية بـ فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ (فأوحينا إلى موسى). وتُظهر هذه العبارة أن الأمر بضرب البحر لم يكن فكرة موسى الخاصة. بل جاء وحيًا إلهيًا. وينتقل التركيز من قوة موسى الجسدية إلى قدرة الله الآمرة.
في القرآن، كثيرًا ما تدل الأوامر الإلهية على بداية معجزة. ويصبح ضرب البحر فعل طاعة، وآية على أن مشيئة الله على وشك التحقق. وينفلق البحر (فَانفَلَقَ) لأن الله يأمر بذلك، لا لأن العصا تُسببه. ويُظهر القرآن باستمرار أن الله هو الفاعل الحقيقي. والأفعال البشرية هي الوسيلة التي تظهر بها مشيئته. وهذا يتوافق مع المبدأ في سورة يس (36: 82). إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له «كن» فيكون.
ثم تصف الآية النتيجة: فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (فكان كل فرق كالطود العظيم). يقف الماء ككتل صلبة. وتؤكد تلك الصورة حجم المعجزة ونظامها. فليست العصا هي التي تشكّل تلك الجدران. بل أمر الله هو الذي يجعل البحر ينفصل بعضه عن بعض، بعد أن ينفّذ موسى الأمر.
لذلك، يكشف سياق الوحي الإلهي وصورة الماء الجبلي عن سرد لقدرة الله. ويدل فعل ض-ر-ب هنا على فعل مأمور به إلهيًا يفتح الطريق لقدرة الله الخالقة. وهو ليس قوة مادية تشق البحر بذاتها. والقرآن دقيق: فهو ينسب الوحي والنتيجة النهائية إلى الله. ويؤدي موسى الفعل المأمور به كآية. وتتوافق تلك القراءة مع تصوير القرآن لله كمصدر كل قوة، وتحافظ على تماسك النص.
الخاتمة: التماسك والسلطة الإلهية
يُظهر التحقيق في سورة الشعراء 26:63 أن الجذر العربي ض-ر-ب لا يقتصر على الضربة المادية. فقد يعني بدء فعل أو تنفيذ أمر. وعندما نجمع ذلك المدى المعجمي مع السياق الواضح للوحي الإلهي (فأوحينا إلى موسى)، يصبح السرد سردًا لتدبير إلهي، لا لفيزياء مستحيلة. وفعل موسى هو المحفّز لقدرة الله، والله يشق البحر.
وهذه المنهجية، أي التحقق من العربية ومراجعة المعجم وملاحظة السياق، تكشف أن صياغة القرآن دقيقة. فالنص لا يقدم تفسيرًا طبيعيًا للانفلاق يمكن للفيزياء اختباره. بل يسرد معجزة حدثت بتدخل الله المباشر. وعندما يريد الله حدثًا، يكون أمره مطلقًا. وكما تقول سورة يس 36:82، فإن أمره ليس إلا أن يقول «كن» فيكون.
ويجيب هذا الفحص عن التحدي الذي تثيره قراءة حرفية تبسيطية. وعندما يُفحص القرآن آية آية، مع الاهتمام بلغته وسياقه، يبقى متماسكًا. فلا تقدم قصة موسى والبحر تناقضًا داخليًا أو استحالة. بل تُظهر قدرة إلهية تتحقق عبر فعل بشري مأمور به. ويُظهر مثل هذا التحقيق كيف يقدم القرآن نفسه ككلام الله، داعيًا القارئ إلى أن يرى بنفسه.






